بالإضافة لدوري الأكاديمي كمحاضر، كلفت بالعمل خلال السنتين الأخيرة في الإرشاد الطلابي وكانت ولا تزال مهمة ثقيلة جداً ومسؤولية لا يمر يوم دون أن أسأل الله فيها السداد. تكليف بسببه اتضح لي العديد من الجوانب الشخصية في حياة طالباتي وظروفهم العائلية، الصحية، العاطفية والنفسية وأكثر ما تعلمت من هذا الدور هو القدرة على استقبال مشاعر الآخرين، تحليلها بموضوعية ثم توجيههم للحل.

قد يبدو الوصف بديهياً فالتعاطف رغم كونه مبدأً لا يختلف عليه اثنان إلا أنه من أصعب الأشياء التي يمارسها الإنسان دون أن يكون منحازاً لأشباهه فقط عنصرياً مع غيرهم أو أن ينغمس في مشكلة غيره حتى تتحول لمشكلة شخصية تؤرق نومه وتجعله حاداً تجاه كل شيء آخر. من السهل أن تمارس التعاطف حين تكون الفروقات بينك وبين الشخص الآخر كبيرة مثلاً: أرحمه فهو لا يملك المال، أو لم يحظ بفرصة تعليمية جيدة أو أنه عانى من ظروف عائلية قاهرة أو غربة أو من مرض عضال. فكلما كانت المصيبة أوضح لا يختلف اثنان في ابداء التعاطف تجاه الآخرين.
لكن نوعاً آخر من التعاطف هو ما أتحدث عنه والذي يستبدل الشفقة بالتفهم والإحساس بالأفضلية بالمسؤولية تجاه من هم أقل حظاً ويذكرني هذا بمقال سابق كتبته عن انغماس العالم حالياً في المنافسة على حجم الألم فبطريقة لا إرادية يجب أن يكون الظرف قاهراً حتى يستحق تعاطفي وإلا فالعالم مليئ بالمصائب وهو الأساس!

التعاطف الذي يستبدل الشفقة بالتفهم والإحساس بالأفضلية بالمسؤولية تجاه من هم أقل حظاً ويدرك أن لكل شخص دورته الخاصة في النضوج وأن العمر لايعني شيئاً مقابل التجربة

من الصعب جداً أن تكون متعاطفاً مع من يمر بتجربة سخيفة في وجهة نظرك أو مع من يتصرف بسذاجة دون أن يقبل النصيحة أو من لا ينصاع لرأيك الأفضل أو ببساطة شخص ليس له في قلبك نصيب من الود والقرب. من تجد أنه مثقف متعلم أو أن حياته لا تشكو من المصائب كما تعرفها. من هو أصغر منك ويفتقد للتجربة، من كنت في عمره يوماً تعاني الأمرين، من تظن أنه لا يستحق ماهو فيه الآن لأنه لم يعرف الحياة كما عرفتها من هو في وجهة نظرك ناكر للجميل ولا ينظر للأمور بواقعية…

التعاطف الذي أتحدث عنه هو إدراك أن لكل شخص دورته الخاصة في النضوج وأن العمر لايعني شيئاً مقابل التجربة فليس بالضرورة أن يكون الأشخاص في الخامسة عشر مندفعين وليس بالضرورة أن كل من هو في الأربعين حكيم. التعاطف في استيعاب أن لكل جيل صعوباته وأن لكل مفهوم تعريف مختلف حسب من ينظر له. التعاطف في قبول اختلاف الآخرين بالنظر لهم كبشر دون إصدار أحكام أو تصنيف بسمات سيصعب عليهم لاحقاً التخلص منها واحترام أن النصح لا يعني الانصياع وأن التوجيه لا يؤدي بالضرورة للفعل. ومهما كانت التجربة البدنية الملموسة واضحة المعالم لديك فهناك الاستيعاب العاطفي لهذه التجربة والذي نختلف فيه جذرياً عن بعضنا البعض وهو مايشكل في نظري النقص الأكبر في ثقافتنا وتعاملنا تجاه الآخرين.


{خلق الإنسان في كبد}

هناك عائق آخر يمنعنا في بعض الأحيان أن نتعاطف مع الآخرين بالشكل المطلوب كون مصائبهم تبدو غير حقيقية بالمقارنة مع تجاربنا الشخصية أو بسبب إيماننا بقصد أو دونه بأن العسر هو أساس الحياة. قرأت قبل فترة على تويتر مقولة فيما معناها أن الأزمات تصنع القادة والمبدعين وأن شخصاً عاش حياته بدون تحديات أو صعوبات لا يمكن أن تصقل شخصيته أو أن يُتوقع منه الكثير وأنه بقدر الصعوبة تتجلى قيمة الموقف. لعل هذا المفهوم من المفاهيم التي تتردد علينا كثيراً مثلها مثل “يولد الإبداع من رحم المعاناة” أو مايشبه “من جد وجد” و”من طلب العلا سهر الليالي” وغيرها الكثير مما يؤكد لك أنّ الألم ضرورة للنجاح وأن التعب هو الأساس للوصول أتفق مع هذا المفهوم في مجمله لكنني أختلف معه قليلاً في الطريقة التي ننظر بها للتعب.

نعم نحتاج للتحديات وبدون الصعوبات لا يمكن أن نتعلم لكن الموضوع نسبي ومن الصعب جداً الحكم على تجارب الآخرين بالنظر للظاهر فقط وهذا مايدعونا أن نكون أكثر تعاطفاً مع من حولنا. مايبدو لي مُتعباً قد يكون سهلاً جداً على غيري والعكس وهذا من السنن الكونية التي نتعلمها منذ عمرٍ مبكر {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}. على سبيل المثال، يمر شخصان في نفس العائلة بظرف حالة وفاة وبعد انتهاء فترة العزاء نجد أحدهما عاد للعمل وآخر احتاج لأخد اجازة أطول. هل يعني ذلك أن أحدهما يحب المتوفى أكثر من الثاني؟ هل يرتبط الحدث بحجم ردة الفعل نسبياً؟ هل هناك حد واضح مقبول لكيفية تعاملنا مع الظروف؟ قد تعني هذي التصرفات عدداً من الأمور النفسية أو العاطفية التي نحتاج لمختص كي نفهمها، وفي كثير من الأحيان تكون المواقف التي تتطلب منا الإحساس بالآخرين أبسط بكثير من ذلك مثل ضغوطات العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية التي لا تخلو أبداً من التحديات.

وهنا يأتي السؤال ما هو دورنا حال الصعاب التي يمر بها الآخرون؟

هل علينا أن نجعل من حياتهم نموذجاً قاسياً يشبه تصورنا لمفهوم الصعاب حتى ينضجوا؟ هل نسدي لهم معروفاً بذلك؟ أو هل نتركهم في فوضى حياتهم حتى تصقل شخصياتهم؟ هل نتجاهل مايحدث لأنه لا يعنينا؟ ولكم نرى في حياتنا من أمثلة لانجد مبرراً لتصرفاتها القاسية مع الآخرين سوى أنها عانت أو تعاني في فترة ما من حياتها وتعتقد أن من واجبها أن يعاني الآخرون كي يقدروا قيمة الأشياء وينضجوا بطريقة أو بأخرى. من السهل جداً انتقاد هذه الشخصيات حين نتعرض لها لكننا بطريقة أو بأخرى نتقمص هذا الدور غير إرادياً في كثير من الأحيان لنصبح نحن ما ننتقد.

كيف ننضج؟

أعتقد أن مايجعل الإنسان ينضج ليس التجربة بحد ذاتها بل طريقة خروجه منها ومهارات تحليله للموقف وفهمه لانعكاس مايمر به على شخصيته ومسار حياته.
منّا من يمر بتجربة ليتقمص بعدها دور الضحية يسعى للانتقام من الظروف أو ينمو بداخله كره لكل من يملك مافقده أو أنه يستمر بلوم كل شيء حوله حتى بعد مرور سنوات طويلة على التجربة.
وهناك من يخرج من التجربة كناجٍ تعلّم من الدرس وتصالح مع ما مرّ بع بحلوه ومره مستفيداً مما حدث له في ماهو قادم بطريقة تثري نظرته للأمور وتصقل مهاراته المختلفة أو توجهها لمجال يستطيع من خلاله مساعدة الآخرين أمثاله أو توجيه طاقته لقضية مشابهة. والاختلاف الواضح هنا ليس التجربة بحد ذاتها بل كيفية التعامل معها والخروج منها.

من حقك أن تعيش الظرف بما يساعدك على تجاوزه وقد يتطلب هذا كره العالم، الصراخ والبكاء أو تقمص دور الضحية لفترة معينة لكن عليك أن تكون واعياً أن خط النهاية مرتبط بالنجاة حتى وإن استغرق الأمر وقتاً أكثر من اللازم. كن واعياً أن قدرتنا على التعامل مع الأمور مختلفة وليس خطأً أن تطلب المساعدة من قريب صديق أو مختص حين لا تكون الأمور واضحة بالنسبة لك. كن واعياً أن الظروف لا يجب أن يتفق الآخرون على صعوبتها حتى تكون صعبة بالنسبة لك، طلب المساعدة لا يعني أنك في ظرف قاهر أو صدمة عنيفة يمكن أن يحدث في أبسط من ذلك بكثير.

إذاً ماهو دورنا تجاه التعاطف؟

نحن بطريقة تلقائية نطلب من الجميع أن يصل لخط النجاة دون استيعاب لمدة الرحلة التي يحتاجها للوصول والتعاطف هنا يكون في احترام أن لكل شخص وقته الخاص وعواطفه وتجاربه السابقة وما تركتها فيه من آثار والتي قد لا تكون واضحة لنا.
يكون تعاطفنا أحياناً بعرض المساعدة أو برسائل غير مباشرة أو بالانصات أو باحترام احتياج الطرف المقابل وقت أطول لاستيعاب الأمور. وقد يكون التعاطف في أحيان أكثر بالتوجيه للحديث مع مختص أو قراءة أكثر حول الموضوع. فالأكيد أنك لست الأول الذي يمر بهذه التجربة ومن المؤكد أن هناك وسائل عديدة يمكن أن توصلك للنهاية بشكل سليم قدر المستطاع. كم مرة مررت بموقف وتمنيت لو أن هناك شخصاً لاحظك أو أعطاك من وقته القليل ليفهم؟ كم من المشاكل والصدمات يمكن لنا تلافي آثارها الدائمة لو أننا عالجناها بالوقت الذي نحتاجه دون الحاجة للتظاهر أن كل شيء على ما يرام كما يتوقع منا الآخرون؟

طريقة التعامل مع التجارب والخروج منها لا تكون بديهية دائماً ونحتاج للمساعدة خلالها وكلما كان عمر الشخص أصغر كان من الأسهل عليه تقبل المساعدة بطريقة مباشرة أو غيرها تجاه مايمرّ به. في التجارب لا نحتاج دائماً لمن يؤيدنا بل لمن يوسع إدراكنا للاختلاف ويرينا ما نعجز عن رؤيته بسبب انفعالنا أو اضطرارنا لقرار سريع مهم أو حزننا من الخسارة العاطفية أو المادية. خروجك من التجارب التي لا مفر منها كناجٍ أو ضحية يعتمد على طريقة تعاملك معها وهنا دعني أسألك: هل تجيد التعاطف تجاه نفسك؟

أضف تعليق